حيدر حب الله

98

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

الشيعة لا يؤمنون - كما هو الصحيح ، على ما بحثناه مفصّلًا في كتابنا ( حجية السنّة في الفكر الإسلامي : 517 - 569 ) - لا يؤمنون بأنّ الأئمة يقومون بتشريع أحكام جديدة لم يسبق أن بيّنها النبيّ ، ومع ذلك تراهم يقولون بعصمتهم ؛ لأنّ نظريّة العصمة ليست مرتبطة فقط ببيان الأحكام الجديدة ، فإنّ القائلين بنظريّة العصمة يرونها حاجة في بيان الأحكام الجديدة كما يرونها حاجة في شرح الأحكام التي سبق إصدارها وإزالة الالتباس الذي حصل عبر التاريخ عنها ، وكذلك في تطبيق الأحكام على موضوعاتها ، وشرح العام منها وتطبيقه على مفردات كثيرة . فالإمام يأخذ الحكم الذي صدر من النبي ويقوم عبر قرنين ونصف مثلًا بشرح هذا الحكم وتطبيقه على مفردات زمنية متعدّدة ، ورفع أيّ تفسير خاطئ لهذا الحكم يمكن أن يطرأ بمرّ السنين ، والإجابة عن الأسئلة التي تتصل بهذا الحكم شرحاً ونقداً وتفصيلًا . وهذا كلّه يعني أنّ نظرية العصمة عند القائلين بها لا تختصّ بتأسيس أحكام جديدة ، فلعلّ بعض الأنبياء لم يأت بأحكام جديدة لم يسبق أن أتى بها أنبياء قبله ، بل أعاد تكرار ما قاله من جاء قبله من الرسل لهداية الناس إلى الحقّ . بل يذهب أنصار نظريّة العصمة أبعد من ذلك ، عندما لا يرون العصمة خاصّة بمسألة بيان الأحكام ، بل بالسلوك العملي والإداري للمعصوم أيضاً ؛ فهم يعتقدون بأنّ وجود معصوم على رأس المجتمع الإسلامي لقرابة ثلاثة قرون تقريباً ( النبي مع عصر الأئمّة ) هو بنفسه حاجة لتأصيل وتعميق وترسيخ المفاهيم الإسلامية في عالم التطبيق والإجراء ، وهو بنفسه حاجة لسوق المجتمع الإسلامي نحو التكامل ؛ فالتكامل لا يكون بمجرد بيان المفاهيم ، بل بإدارة